الأربعاء، 21 أكتوبر 2009

فيض المشاعر

( صلاة قديس )

لكل صلاة من الصلوات في الجامع نكهتها الخاصة ، و جوها المميز ، أذكر مرة ذهبنا لصلاة العشاء ، فطابع تلك الصلاة أنها في نهاية اليوم ،فيلجأ الراغبون لختام يومهم برضاء الرب وسكون النفس وهدوء الروح للصلاة ، وعادة ما يكون الجامع قليل الإضاءة ، معتما في بعض الأنحاء ، مرهبا في بعض الأرجاء .
المهم أننا إصطففنا للصلاة متساوين معتدلين ، و انهمكنا في العبادة ، فكانت صفوفنا تظلل أمامنا في هدوء وسكينة ، تتهادى مع ركوعنا و سجودنا .
في تلك الأجواء أقبل مسرعا صبي في مقتبل الحياة يلهث الأنفاس ، ويمسح عن وجنتيه عرق الحياة النابضة ، ومعه طفل صغير بعيون حائرة .... متسائلة .... صامتة ، كلما اعتدلنا كان واقفا في حيرة ، وكلما سجدنا كان قاعدا في تأمل و إستغراب ، وكلما رفعنا هب الى جانب أخيه ماسكا يديه رهبة من الظلال المتهادية أمامنا في إضطراب .
فلما فرغنا من الصلاة كان أخوه قائما لتكملة فرضه ، فيما تحرك الاخرون لمداعبة الصغير الذي رهب فكرة أن كل ذلكم النفر الذين كانوا من برهة تماثيل متحركة و أجسادا صلبة لا تتفاعل مع جو رتيب ، أن تقبل نحوه متسائلة وطالبة الود و الوصال و المحبة .
هذا التحول لم يفهمه الطفل ، لم يستوعب حقيقته وسببه .
فلما انهى أخوه الصلاة أخذه بين جوانحه فالتئما ليشكلا كيانا واحدا ، هنا إختلطت المشاعر ، فترى الإنخراط المتململ في البكاء و القلق مع مشاعر الطمأنينة و الحنان .
هكذا الوضع حتى إقترب أحد الأشبال ..... راغبا في المداعبة يود لو يكسر ذلك الارتباط لينعم بلحظة من إحساس متدفق في كيان واحد ، فجأة وفي لحظة مباغتة ، انطلقت طلقة من يد هائمة صغيرة نحو عين الدخيل لتصيبها إصابة مباشرة ، ليبتعد هذا الشبل بوجهه عن الينبوع الدافق ، و فجأة تعاجله أخرى ( أكبر قليلا و لكن واثقة ... ممتدة .... وثابة ) ، بصفعة مدوية في الفضاء الساكن الرحب على قفاه !!!......... نعم قد حدث ؟!؟!........ مدوية ... رنانة .... خفاقة ...
فانقطع الجميع في لحظة من الدهشة الصامتة ، كيف لمثل هذا الكيان الصغير و لكن المتماسك ، الضعيف و لكن الفياض ، أن يلتهب حماسا ، ويشتعل دفاعا ، عن قلعة متينة وكيان صلب .
ولكن رغما عن الجميع ، دخل الكل في ضحك متواصل .....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق